قصص قصيرة
حسين بن قرين الدرم شاكي
(لا شيء يجعل الإنسان عظيماً غير الم عظيم)
-الفريد دي موسيه-
الإهداء:- إلى روح جدي "الشريف" الذي أستشهد و هو يقارع المستعمر الفرنسي البغيض في معركة " تقزة " إلى ابني فراس..
اذكر و أنا صغير، أني رافقت والدي ذات يوم إلى المراعي حيث ترتع قطعان الأغنام؛في وادي الرقراق*
كان يوماً قائظاً جدا، لدرجة أن نعجتي ذات اللون الأصفر الفاقع ، آثرت الاستراحة في فيء شجرة أراك وارفة ، على البقاء مع أمهاتها تنهل من الأعشاب اليابسة و أوراق الشجر الخضراء..
ما أن توسطت الشمس كبد السماء ، حتى شعرت بالجوع يقرص معدتي قرصاً..
و الظمأ يغزو شراييني مستولياً بمكر و دهاء على لعابي..
جف حلقي..
ابيضت شفتاي..
أحسست بدوار مخيف..
رهيب..
فظيع..
تقيأت..
بدأ شيئاً كالغشاوة يغطي عينأي ، لفرط الإنهاك و التعب..
رحت أجرجر قدماي العاريتين..
راسماً بهما خطآن متوازيان تماما كما يفعل النمل..
تأملت والدي..
بدأ متماسكاً..
بشوشاً..
بهي الطلة..
نظر إلي..
رأف لحالي..
دنى مني ، واضعاً يده على راسي متحسساً شعري..
طالت أصابعه رقبتي..
جذبني إليه..
ضمني إلى صدره..
قبلني..
غاب مسرعاً..
تتبعته..
رأيته يحفر بخنجره الطويل بمحاذاة سدرة و يستل عرقها..
يزيح بلمح البصر قشرته..
يناولني العرق..
يطلب إلي امتصاصه..
ابتلت عروقي بسائل حلو المذاق..
تفتحت عينأي..
ابتسمت..
و كم كانت دهشة والدي، لم قلت له إن سبب عطشي؛
يعود إلى تناولي لكم هائل من علك الطلح القاني اللون،
لم أغراني طعم سائله العسلي اللذيذ..
وادي الرقراق/ واد يتميز بالخصبة معظم فصول السنة يوجد قرب قرية ناصرة شمال غرب النيجر
يوماً كاملا و أنا مربوط إلى جذع شجرة..تلسعني أشعة الشمس الحارقة..لم تستطع أمي "زينب " و عمتي "شريفة " إقناع أبي بفك قيدي و تحريري من الأسر..بكت والدتي كثيراً..احمر خدها، و تورمت مقلتاها..أما عمتي فكانت قوية الجأش..لا تهتز للعواصف الهوجاء..رجته أن يطلق سراحي و هي تقول له:- أخي ، حبيبي، فك قيد قرة عيني - حسين - ؛ أطلق سراحه..
- لن يكون هذا..
- طيب على الأقل،أدخله لفيء الخيمة..
- خليه يحترق ليعود لرشده..
- و لكن ..لكن لظى الرمل الحار ، أقوى من أن يحتمله طفلاً في سنه..
- قلت لك لن أطلق سراحه، و لن أعفو عنه قبل أن يحفظ لوحه..
- ويا أخي، كيف له أن يحفظ اللوح و يداه مقيدتان إلى عنقه و رجلاه إلى جذع شجرة ؟..
-لا تجزعي..لا تخافي عليه، لن يموت..
- إن فككت قيده، سأجعله يحفظ لوحه كاملاً عن ظهر قلب..فلا يستحق الأمر كل هذا العذاب..و ما لم يتأتى باللين، قطعاً لن تجدي معه و لن تنفع القسوة..و الطفل سيموت يا أخي، إن بقي على هذي الحال..
- "شريفة" !! قلت لك ….آه..هكذا هن النساء..إن دلعكن له، هو ما يجعله لا يأبه لما أقول..أنظري إلى هؤلاء الأطفال، بم يتميزون عنه؟ ( كان أبي يريدني أن احفظ سورة الكافرون، و أقسمت له ألا أقول" قل يا أيها الكافرون " رغم الضرب و الشتم اللذين تلقيتهما على يديه..واصفاً أياي بالكافر ، الفاجر ، الزنديق، النصراني..و كم يؤلمني أنني اليوم احفظها تجويداً و ترتيلاً ، كما كان يشتهي أبي و يبغي..لكنه لن يسمعني و أنا أقرأها..لن يسمعني أبداً أبداً..)..
و بعد توسلات عمتي المتكررة و استجدائها، أطلق أبي سراحي ، مهدداً باعتقالي مجدداً إذا ما تقاعست و لم أحفظ السورة..
أدخلتني عمتي الخيمة..راحت تمسح دموعي و تكفكفها ؛ و تنظف شعر رأسي من حصى الرمل..
انضمت إليها والدتي التي لجمها الشيطان لعنه الله فور رؤيتها أبي و هو يقيدني و يضربني ..شرعت تقول لي:- أما كان عليك حفظ السورة كبقية زملائك بدل كل هذا العذاب؟؟
- قلت لها و أنا انتفخ غضباً:- يا أمي..أنا لن أقول" قل يا أيها الكافرون " حتى لو قطعني أبي و رماني للذئاب..
- اصمت، قالت عمتي شريفة.. انه قريباً منا ، و أخشى أن يسمعك ، و يعيدك إلى سجنك..
و انتقل أبي إلى الرفيق الأعلى ، و أنا لم أحفظ سورة "الكافرون" ، رغم محاولات عمتي " شريفة" المضنية ، مساعدتي..
أيقظني أبي في ذلك الصباح الخريفي البهي مبكراً..كنت أديت صلاة الفجر معه بالمسجد..و مع بزوغ الشمس و إرسالها لأشعة خيوطها الأولى، طلب والدي من "بلال" الذهاب إلى مربط النوق الحلوب..تناول بلالا قدحاً مصنوعاً من جذع سدرة، مزخرف بأشكال و رسومات، غاية في الدقة و الإتقان؛ ركل والدي ناقتي الشعلاء بمشط قدمه اليمنى،انتفضت واقفة مذعورة،تبولت.. شرع حوارها الصغير المكتسي بوبر كثيف هائل، شرع يلعق ضرعها..انتفخت أثدائها..راح أبي يحلب اثنان و بلال اثنان..و بلمح البصر امتلاء الإناء حليباً صافياً تغطيه رغوة بيضاء اللون كثيفة..مددت لأبي إناءا آخرا كان بحوزتي..سكب فيه الحليب و عاد و بلالا يحلبان الناقة مجدداً .. قال لي أبي و الحليب يتطائر على لحيته الكثيفة الشعر:- اشرب حليبك.. قرعت في القدح، رحت اشرب الحليب..امتصه دون نفس حتى ارتويت..رفعت رأسي..تنفست..تنفست عميقاً..نظر إلى بلالا، فانفجر ضاحكاً معلقاً على منظر رغوة الحليب التي علقت بشاربي.. التفت إلى والدي الذي واصل ركل النوق الواحدة تلو الأخرى و يستحلب حليبها الطازج الحلو المذاق حتى امتلأت كل الأواني..فناد على الخادمة التي راحت تنقل الحليب إلى حيث أمي و شكوتها العريضة..فشرعتا تمخضان الشكوة لاستحضار الزبدة و اللبن الرائب .
امرني أبي بالذهاب وراء القطيع ريثما يلحق بي بلالا الذي غادر إلى البئر للتزود بالمياه..في السهل المنبسط و الممتد إلى ما لا نهاية ، خطرت لي فكرة أن اجعل كبشي ذا القرنين الكبيرتين الملتويتين حد رقبته ، و كبش الجيران يتعاركان..اقتربت من كبشي..أمسكت بذيله..استدار نحوي محاولاً نطحي..تفاديت قرناه..أمسكته برقبته..اقتدته إلى حيث كبش الجيران الذي كان يراود نعجة عن نفسه..أطلقت سراحه..بدأا العراك وكأنهما كانا ينتظران هذه اللحظة بفارغ الصبر..استمر الكبشان يتعاركان بهوادة دون توقف حتى اشتممت رائحة شرر النار المنبعثة من قرونهما..
سقط كبشي صريعاً..نزف انفه دماً..بدأت لي رأسه و كأنها تهشمت من هول الصدمة..هرولت صوبه..ارتميت على ظهره..رحت ابكي و انتحب..قررت الثأر له من كبش الجيران..بجواري كانت هناك عصا غليظة، شرعت انهال بها على كبش الجيران الذي بقي في مكانه في أوج ثورة غضبه ، ينبش التراب بحافره ..لم أتوقف عن ضربه حتى خر خائراً مضرجاً بدمائه التي سالت غزيرة..فارق الحياة..خاطبته بتعال و أنا أتخطاه:- أتعتقد إن دم كبشي رخيص ؟جرجرته إلى حيث مغارة عميقة اعتاد الذئاب أن يتخذوها ملجأ لهم يقيهم حر و قيظ الصحراء اللافح..رحت اردم المغارة و ارقص عليها حتى تهاوت و استوى التراب على الكبش..جريت عائداً أدراجي إلى الخيام..كان أبي قد غادر لتوه إلى نجع إحدى القبائل المجاورة لزيارة شيخها الذي تعافى من مرض عضال أقعده الفراش ردحاً من الزمان..بالقرب من مربط الجديان و الخرفان، كانت أمي و خادمتها ، تقومان بتنظيف بقايا براز الغنم..هالهما صوت بكاء و أنا انتحب..أسرعت أمي لملاقاتي ..لم تبك؟ م الذي أصابك؟اختلقت قصة كاذبة مفادها إن احد اللصوص هاجمني و قتل كبشي و سرق كبش الجيران..لم تنطلي على أمي تفاصيل قصتي تلك..لم تكلف نفسها عناء التفكير فيها حتى..عرفتني الفاعل..إذ كنت شقياً وولداً طائشاً..صفعتني على خدي حتى احمر..عاودت صفعي و هي تشدني من أذني و تقول لي:- قل الصدق و إلا أخبرت والدك بالأمر..أخبرتها الحقيقة كاملة.
قالت:- أين القطيع؟
قلت :- في السهل.
قالت:- اذهب و عد إليه قبل أن يتوه و حالما يعود بلالا سأجعله يلحق بك إلى المرعى..
و تشاء الصدف في ذلك اليوم أن يحل علينا عمي ضيفاً كريماً معززاً برفقته ولده الذي بقي على البئر يتزود بالماء و يسقي حصانه و فرس عمي..
لم أرى ابن عمي ( محمد ) مذ كنا صغيرين..حيث انتقل عمي إلى الحضر و آثر والدي البقاء في البادية متشبثاً بها حد الجنون..ارتبط بها كثيراً..و انصهرت في دمه و لم يغادرها إلى أن رحل إلى الرفيق الأعلى..علم ابن الجيران بأمر مقتل كبشه و هو على البئر..استنفر قواه و اخبره أخاه..وجداني مع القطيع..بدأا يوسعاني ضرباً مبرحاً..كانا سيربطانني إلى ذيل حصان و يطلقان عنانه..في تلك الأثناء كان ابن عمي ماراً بالقرب منا..سمعهما يقولان لي:- لم قتلت الكبش يا (!!)؟ عرفني ابن عمه..هرول باتجاهنا..امسك الأخ الأكبر و لكمه على صدغه..اخرج سكيناً و حاول طعنه بها لولا أن فرا الاثنين..عاد إلي..ساعدني على الوقوف و الدماء تلطخ ثيابي..سألني عما جعلهما يعذباني هكذا؟ أخبرته بما حدث..واصلنا سيرنا إلى الخيام..
كان عمي بانتظارنا و يبدو أن ابن الجيران اخبره بالأمر..كان عمي يرحمه الله طيباً حنوناً..كان يحبني كثيراً..ارتميت على حجره و أنا ابكي..راح يمرر أصابع يده الدافئة ،التي كانت تداعب حبات مسبحته الجميلة، على شعر رأسي..
قال لي:-اسكت لا عليك..سوف لن يضربك أباك..و سنعوض الجيران في كبشهم ..في المساء عاد والدي من رحلته القصيرة..علم بالأمر..قال و هو يخاطب أخاه:- و الله يا أخي هذا الولد الشقي سيؤقعني يوما ما في مشكلة أنا في غنى عنها..
قال له عمي:- انه ما يزال صغيراً..سيكبر و ينصلح حاله.. أنا متأكد من ذلك..
قال أبي:- انه ألان في السادسة من عمره و هو لم يتغير بعد..ما زال شقياً و كل الجيران يشكون من تصرفاته..
قال عمي:- عوض الجار في كبشه و خلي الولد..انه لا يفقه تصرفاته..
ناد أبي على بلال و أمره باستدعاء جارنا و ابنه.. حضرا معاً ، تناولا العشاء مع أبي و عمي..طلب منهما أبي السماح..و عدم أخذه بجريرة فعلتي الشنيعة تلك..
و قال لــ" بلال":- اذهب و اريهما النعجة كذا و النعجة كذا و الكبش الصغير..و أرجو أن يقبل جارنا الكريم تلك الرؤوس عوضاً عن كبشه المقتول..إلا أن الجار صرخ في أبي قائلا:- نحن جيران يا رجل:- و ابنك بمثابة ولدي..ووالله لن اقبل تعويضاَ في كبشي..و متى كنا نحاسب الأطفال على أخطائهم الصغيرة؟ و صافح أبي و عمي و عاد إلى خيمته..
و انتهت بذلك محنتي مع الجيران و زال كابوس خوفي من أن يعاقبني أبي..
كالعادة، غادرت منذ الصباح وراء القطيع..
في عمق ألوادي و بالقرب من حافة الجبل الشرقية ، وبعد أن أطمأنت روحي على هدؤ القطيع ، الذي انتشر ينهل الحشائش التي لم تجف كلياً بعد؛ رحت ابحث عن مكان أستريح فيه .
كانت هناك مغارة عميقة تحت جذع سدرة وارفة يتدلى منها نبق قاني اللون كبير.
تتخذها الذئاب و الوحوش الأخرى ملجأ لها، يقيها حر الصيف اللافح ، و برد الشتاء القارص ، كان يبدو أنها مهجورة ربما لان الرجال شرعوا منذ فترة ، في وضع خطة للقضاء على الذئاب التي تكرر تسللها ليلا إلى زرائب الخراف و الجديان.
في غارات منظمة لا تخلو من المكر و الدهاء.فلاحظ القوم أن عدد الخراف و الجديان في تقلص مستمر.وشنوا حرباً ضد الذئاب ، قتلوا منها الكثير بالبنادق و شراك الحديد .وكانوا كلما قتلوا ذئباً يعلقون جلده على أعمدة الزرائب، لإخافة باقي الذئاب ، التي تفر عائدة إلى أوكارها فور رؤيتها لجلد بني جلدتها..اندلفت إلى جوف المغارة .
أغراني ترابها الأملس و نسيمها المعتدل.
استلقيت على ظهري..
أمسكت بلوحي بكلتا يدي و رحت أرتل سورة الخلق..
و لست ادري كيف سرقني النوم..
غبت في سبات عميق.
غادرت الشمس إلى بيتها..
بدأ الظلام يخيم على النجع، ليرخي الليل سدوله رويداً رويداً.
عاد القطيع لمربطه..
و ما أن أكمل أبي و الرجال صلاة المغرب بالمسجد الصغير، حتى لاحظ غيابي.
إذ كنت دائما أتي إليه مهرولاً و هو ما يزال يسبح لله في المسجد؛ وارتكز أمامه
فيمسح على جبيني بيده اليمنى.
مردداً الأدعية و التعاويذ و هو يقول :- "اللهم احفظه من شر نفسه و من حسد الآخرين.."
احتشد رجال القبيلة وفرسانها ، في كويكبات صغيرة على الخيل و الامهار.
شرعوا يعدون العدة و يحزمون أمتعتهم و زادهم للبحث عني..
امتطى والدي ظهر فرسه الشهباء.
وقف وسط حشد الرجال الذين بدوا في حالة استنفار قصوى..
وصاح فيهم:- ابحثوا عنه بكل روية ، في كل مكان.
تحت الأشجار، و في المنعطفات ، الوعرة ، و بين الأحراش، و في كل لجة من لجج الجبل، و في عمق ألواد، و السهل، اللذين يفصلان الخيام عن الربوة..ابحثوا عنه حتى فوق الأشجار؛ أشعلوا النيران؛ إياكم أن تعودوا خاليي الوفاض..
في اليوم الثاني استيقظت من سباتي و عدت إلى الخيام..كان الرجال في حركة غير عادية و النساء يبكين و ينتحبن..أصيب البعض بالذهول عندما اكتشفوا أنني لم اصب بأذى ..إذ كان اليأس تسرب إليهم بعدما ملوا وكلوا البحث عني؛ اعتقاداً منهم أنني ارقد ألان في أحشاء ذئباً مفترساً ؛ أنهكه الجوع فسد رمقه بلحمي الطري ، لم استحال عليه السطو ليلا على القطيع..
فقل أن يبيت أحد بالوادي و يعود دون أن تطاله تهديدات وتحرشات تلك الوحوش الضارية..
هرولت أمي لملاقاتي غير مصدقة عينيها..
راحت تتحسسني، واضعة يديها على كلا صدقي
وهي تقول :- هل أنت بخير يا فلذة كبدي..؟ أين قضيت ليلة البارحة ؟؟ هل تعشيت ؟؟ هل هاجمتك الوحوش؟؟ انزع قميصك، و دعني أرى جسدك..
- أنا بخير يا أمي..
- إن كنت لم تصب بأذى، انزع قميصك..
- حاولت منعها إذ كنت اخجل من كشف عورتي أمام النساء اللائي التففن حولنا حتى كتمن أنفاسي.
كدت اختنق من بخورهن الذي ملأ المكان مستولياً على الأكسجين.
شعرت برغبة في التنفس..
مررت أمي يديها على كامل جسدي بعد أن جعلت من طرف ردائها ستاراً بيننا و النساء ؛ و هي تردد في همس خجول خنقته رغبة جامحة في البكاء بصوت عال:- " الله يلعن القطيع ..إن شاء الله تأتي الذئاب على ما تبقى منه.." ارتديت قميصي المزركش الذي جلبه لي والدي من إحدى رحلاته الموسمية إلى المدينة..
جريت اتجاه أبي الذي لاقاني و الرجال و هم يقحقهون فرحاً بعودتي دون أذى.. بدأت على محياي أبي البهجة و هو يدس عميقاً أصابع يده اليمنى في شعر ذقنه الكثيف..
ارتكز ليتمكن من حملي بكلتا يديه عالياً مردداً:- حمداًً لله على سلامتك يا ولدي..
صاح في "بلال" قائلاً:- اذبح الذبائح و ناد على الرجال..و أقم مأدبة عشاء فاخرة لهم تيمناً بعودة ابني سالماً ؛ وتكريماً لهم على تعاونهم ووقوفهم إلى جانبي في محنتي..ألتم القوم حوله وهم يتبادلون النظرات و الابتسامات، مداعبين أبي قائلين له:-"غمة و انزاحت "يا رجل.. حمدا لله على نجاته من الوحوش..
و منذ ذلك اليوم قرر أبي عدم إيفادي وراء القطيع لوحدي..
قصة قصيرة جدا/العصفور..
كئيباً بدأ هذا العصفور و هو يحلق جيئة و ذهاباً يطوف حول عشه الذي هجره مرغماً ثم شرع صاحب المنزل يدير جهاز التكييف. ظلَّ العصفور يزقزق و كأنه يبكي و يرثي لحاله لما رأى عيدان عشه تتطاير بفعل هواء المكيف ما لبثَ أنَّ مل و كل الطواف حول العش . قررَّ أن يبحث عن مكان آخر يستقر به. فوقع اختياره على قبعة من الحديد وضعت فوق جرس الباب الرئيسي للمنزل و اتخذ منها مكاناً لبناء عشه من جديد.. صار كلما دق جرس الباب يرد العصفور بزقزقة رائعة كأنه ينذر أو يخبر صاحب المنزل بزائر ما..تكرر الأمر مرات ومرات . لاحظ صاحب المنزل ذلك فتوطدت علاقته بالعصفور و كافأه بان بنى له بيتاً خشبيا جميلاً استقر فيه العصفور و بقى على تلك الحال إلى أن تراءى له ذات مساء سرباً من طيور مهاجرة فاعتراه الحنين والشوق والشجن ..
فانطلق على آثره ..
و لم يعد..
كانت ليلة رمضانية بهية رائعة.خرجت بعد الإفطار قاصداً منزل عمي في طرف المدينة الشرقي..استوقفت سيارة أجرةيقودها شاب في الثلاثين من عمره.
يعتملُ قبعة سوداء ؛ من تحتها لمحتُ شعر رأسه الطويل متدلياً يلامس كتفيه.نظارته العريضة ذات الألوان الزاهية استقرت على أرنبة انفه باعتدال.لم يهنأ له بال قبل أن يستل شريطاً مسموعاً من الدرج المحاذي للمقود و يلقم حجرة المسجل.
كان الصوت المنبعث لأحد مطربي الرأي الجزائري..بين لحظة و أخرى كانت أصابع يده اليسرى تغازل لوحة مفاتيح هاتفه المحمول.تارة يقول لأحد زملائه :- أنا في الطريق إليك.أمنحني خمس دقائق و سأكون عندك.
و تارة يرد على احد المتصلين بالقول:- شنو حال الحلو؟ والله "أنا مشتاق له كثير".
في الطريق ، فاجأنا أرنبٌ يبدو انه كان يبحث عما يقتات به صغاره .إذ كان معه خرنقين.
قلت للسائق:- احذر هناك أرنب أمامك.قال:- يا للحظ !! سأصطاده.ارتبك الأرنب.. فر صغيراه عائدين الى وكرهما أسفل شجرة رتم على بعد أمتار من الرصيف.شلت إنارة السيارة حركته. لسوء حظه العاثر اتجه صوبنا.صدمته إحدى العجلات الأمامية.
ترجل السائق و هو يصرخ :- هل معك سكين؟؟قلت:- لا اذكر أنني حملت سكيناً ذات يوم ..قال:- يا حرام..لقد مات..قلت : و هل يقوي أرنب صدمته سيارة على الصمود ؟ قال:- لم أكن أقصد قتله..قلت:- زهقت روحه ولم تستفد حتى من لحمه.
قهقه عميقاً و هو يركن سيارته أمام المنزل .شرع يشعل سيجارته ذات الرائحة الكريهة.
ناولته ديناراً و نصف الدينار.ترجلت من العربة و كلي حسرة على الأرنب المسكين.
لن أنسى منظر صغيريه و هما يبتعدان عنا وكأنهما يلعنان من كان سبباً في موته .لحظتها لوح لي السائق بيده قائلاً:- آسف على الحادثة.
في تلك الليلة ، رأيت و لأول مرة دموعها تنهمر غزيرة علىخديها..
اشاحت بوجهها عني و هي تكفكفها..
أمسكتُ بيدها .
نفضتها عني..
هرولتالى حجرتها باكية..
لحقتُ بها..
حاولتُ امتصاص ثورة غضبها .
رجوتها أنتنسى ما دار بيننا من نقاش..
نهرتني..
شعرتُ بالخجل لفشلي فياسترضائها..
طلبت إلي أن ادعها للحظات مع نفسها..
خرجتُ ..تركتها منكفئة علىسريرها..
كانت أختها الصغرى التي تدرس بالصف الثالث الابتدائي ترمقنا بنظرةامتعاض و كأنها تلعننا في سرها وقالت بلهجة استهجان و استنكار ، تكشف رجاحة عقلهارغم صغر سنها:- لِمَ يعلو صوتكما؟ ألا تدعاني أذاكر دروسي؟ ثم .. وقاطعتها أختهابالقول:- أنت صغيرة على مثل هكذا أشياء..انتبهي لدروسكِ..
عدتُ الى حجرتي ..
استلقيتُ على فراشي و أنا في حالة يرثى لها..
حاولتُ استدراج النوم الىمضجعي لكنه جفاني..
لعنته في ذات نفسي..
خرجتُ الى سطح المنزل و رحتُ أراقبعن كثب حركةَ الغيوم الزاحفة شرقاً في لوحةٍ سريالية مؤثرة ..
شعرتُ بنسمة باردةبدأت تنساب الى دواخلي..
لم احتمل البرد..
هممتُ بالنزول ..
قبل أن أتخطىعتبة الدرجة الأولى، رن هاتفي الخلوي..
كان صوت حبيبتي ..
قالت أينأنت؟
قلت:- أنا فوق ..
قالت:- احبك يا حبيبي..و أنا آسفة..
قلت:- تحبيننيو تغارين عليَ بجنون..
اعرف كل هذا يا حبيبتي.. و لكن…
قالت:- أنزل لئلاتصاب بنزلة برد..
لعنتُ إبليس ..
عدتُ لحجرتي..
صليتُ ركعتين….
وأرسلتُ تفاصيل ما حدث الى خبر كان.
هذا اليوم تساقط المطر غزيراً..
منذ الصباح الباكر و زخات المطر لم تتوقف..
انهمر السيل في شوارع المدينة..
شلت حركة المركبات و المارة..
قبل لحظات قليلة، كنت أنهيت واجبي تجاه ربي بأدائي صلاة المغرب..
و أنا غارق في أحلامي الآنية أحادث طيف حبيبتي و ارسم خريطة حلمنا الكبير..
اقتحم علي عصفور صغير رمادي اللون خلوتي.. و قطع حبل وريد أفكاري..
صاحت ابنة عمي الصغيرة..عصفور..عصفور..عصفور..
هرولت و أخويها الى حجرتي..
حاولوا الإمساك بالعصفور..
نهرتهم خالتي..و هي تقول:- بسم الله .. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق..
لا تلمسوه ربما يكون مسكوناً..
لم ينصاعوا لما قالت:- و تابعوا محاولتهم البائسة للإمساك بالعصفور الذي راح يحلق في فناء الحجرة و يرتطم من حين لآخر بالسقف حتى تطاير بعض ريشه الطري..
بعد جهد جهيد، أمسكت به..
أخرجت يدي من النافذة ..
أطلقت سراحه نزولاً عند رغبة خالتي..
حلق عبر الأفق..
غاب و اختفى عن الأنظار في ظلمة الليل التي بدأت لتوها تغزو و تخيم على المكان..
عدت الى فراشي..
ضحكت بيني وبين نفسي و أنا أقول:- ما أروع الحرية..
ما أروع أن تنطلق عبر الفضاء الطلق..هنيئاً لك أيها العصفور..
حين طرقتُ الباب لأسال عنها، هرولت لفتحه ..
سبقها أخوها الصغير الذي راح يرمقني بنظراته من شباكٍ صغير في أعلى الباب..
كادت تطير من الفرح لما وقعت عيناها عليَ..
مدت يدها لفتح الباب ..
صدها أخوها..
حاولت أن تتخطاه ..
لكزها بمرفقه ونهرها قائلاً:- أدخلي..!
رمقتُ عقلية " سي السيد " الشرقي الذي "يمارس سلطته فقط على أنثاه"..
شعرتُ وكأنني البس ثوب العار..
أحسست بسلام قلبها رغم أنها لم تنبس ببنت شفة.
استقبلني فهرس قلبها بالأحضان .
انساب ياسمين عطرها الى جوارحي.. ..
كانت عيناها السوداوان مغرورقتين..
سالت دموعها الممزوجة بالكحل الذي اكتحلت به ، حتى لامست خديها..
شفتاها اللتان تلونتا بلون التفاح الأحمر كانتا ترتجفان..
تذكرتُ و أنا أمعن النظر في عينيها ، يوم أصبت بنزلة برد..
لما راحت تتحسس صدقي و هي تقول:-
أنت محموم يا عمري ؛ وغطتني بطرف ردائها الدافئ..
أغمستُ أصابع يدي في خصلات شعرها المسترسل ..
همستُ في أذنها قائلا:-
احبك يا حوريتي..
تقمصتُ جلد الدهاء و سألتُ أخوها عن والده ..
رد عليَ بأنه مسافر..
لوحتُ لحبيبتي بيدي مودعاً..
رحتُ العن في ذات نفسي الظروف التي حالت دون مقابلتها
في طريق عودتي عثرتُ على قلبي ينزف وحيداً على قارعة الحرمان..
سألتُ عصفور مر بقربي باسطاً جناحيه..
مزهواً بدفء هذا النهار الشتوي ،حيث بزغت الشمس مرسلة خيوط أشعتها
مرطبة الجو ،
طاردة غيوم الرطوبة ،
مجففة قطرات الندى التي بقيت عالقة بأغصان الشجيرات المتناثرة هنا و هناك..
سألته قائلاً:-أمررت بدار "دموع"؟
قال:- لمحتها تفترش الانتظار..
تراقب عقارب ساعة هاتفها الخلوي..
تتحسس ذبذباته و كأنها ترجوه أن يرن عساها تسمع صوتك..
قلتُ:- أقرئها مني السلام و قل لها:
أني هنا أنثر ورد حبي لها على فسيفساء أزهار البابونج..
قصة قصيرة جداً/ أشياء عاببرة(5)
- كيف حالك يا حبيبي؟؟
- بخير..
ثم أقفلتالخط..
أضجرت..
تملكني خذلان رهيب..
أحسست بالدم يتدفق في أوردتيساخناً..
انعقدت ناصيتي..
انفتقت مسام جلدي و تفصد جسدي عرقاً …
رحت أمطشفتي..
جعلت اصابع يدي تتخلل شعري الذي اجتاح الشيب مساحة هائلة منه..
احتسيتالكوب الأول من الشاي الأخضر.
لحظات و عدت و سكبت محتوى الإبريق الذي كاد يشتكيمني..
ملأته بالماء و وضعته على اسطوانة الغاز الصغيرة و أشعلت النار لينضجالدور الثاني من الشاي..
قلت بيني و نفسي:لما تتصل بي و دون استئذان تقفلالخط؟؟
خلت أن شيئاً ما حدث..أن مكروهاً حصل لها..
رحت أعض أصابعيدي..
تنفست الصعداء..
استرجعت شريط ذلك اليوم بحثاً عن شيء لربما بدر منيفعكر صفو مزاجها..
لعنت الشيطان في سري..
جلست القرفصاء..
وقفت..
ثمجلست..
حاولت الاتصال بها الا ان الخطوط الرديئة حالت دون تحقيق هذاالأمر..
وقتها هممت واقفاً متهيئاً للذهاب إليها..
استأذنت القوم إذ كنت فيبيت عمي "مالك" زوج خالتي "زاهية" التي خرجت لتوها من المستشفى اثر تلقيها العلاجبعد إجراء عملية جراحية على صمام القلب..
طلب إليَ بعض الشباب التريث إلى أننتناول وجبة العشاء ..فاعتذرت لهم بحجة أن لدي ما أقوم به و لا يحتملالتأجيل..تأبطت مذكرتي.. انتعلت حذائي .. حملت خطاي مسرعاً، أكل الطريق بقدم داميةإلى بيت عمي والد زوجتي..قبل أن اصل إلى هناك هاتفتني زوجة أخي "علياً" و أخبرتنيأن ابن أخي "احمداً" مريض و انه يتقيأ و حرارة جسمه مرتفعة..دخلت إلى البيت..لوحتبالمذكرة على كرسي الصالون العربي .. عدت أدراجي إلى بيت "مالك"..كان "احمد"بالكاديتنفس..أخذته من حجر أمه..رحت أضغضغه في محاولة مني لرسم البهجة على وجههالملائكي..ابتسم لي رغم إعيائه..قبلتُ جبينه..أحسستُ بالدموع تنهمر منسكبة علىمقلتي..حاولت حبسها لئلا تراني خالتي و زوجة أخي.أدرت ظهري و قصدت غرفةالضيافة..طوقته بذراعي و نظرت اليه..كانتشعر رأسه شبه مبلل بفعل حرارة الحمى..لماحتمل النظر اليه و عدت به الى امه بعد أن جففت دموعي..وقتها بدأت دقات قلبهتتسارع..أخذته أمه و راحت ترضعه و هو ينظر إلينا بعينين دامعتين اعتراهما الذبول..وسريعاً غط في سبات عميق.. وضعت يدي على جبينه لاستبين مدى ارتفاع حرارته،فقالتخالتي:اذهب دعه حتى لا يستيقظ فحاله و لله الحمد تحسنت واطفات نور الحجرة..طلبت الىان انام لا ستريح فودعتهما متمنياً لهما و للصغير ليلةسعيدة وخرجتُ بعد أن احتسيتآخر كوب من الشاي الذي برد و تخللته مرارة لم استلذتها..خرجت و عندما وصلت الىالبيت كانت زوجتي واقفة متسمرة تفرقع اصابع يديها تشبر حجرة الجلوس بخطوات متثاقلةو ما ان رأتني حتى هرولت ممسكة بيدي وقالت:اخفتني..و كم قلت لك ان الانتظاريقتلني..يستل روحي من جسدي..و دون ان اتفوه بكلمة دخلت الى المطبخ لتحضرالعشاء..
قصة قصيرة جداً/أشياء عابرة (6)
كل شيء أضحى مظلماً في هذهالدنيا..
لا نور فيها ..
الظلام طغي على كل شيء جميل ..
الناس قلوبهم باتتمظلمة..
لا تبصر أبداً ..
كلٌ يغمض عين ويغطي عينه الاخرى بغربال ..
ينظرإلي الحقيقة من خلل أصابع يده ..
الكل يحدثك عن همومه ..
لواعجنفسه…
وأنت تصغي إليه بتأمل ..
لا تفوتك كبيرة أو صغيرة مما يقول إلاوتدونها في الذاكرة المزدحمة أصلا..
تتأثر لقصته ..
تنتابك رغبة جامحة فيالبكاء ، وأنت تسترجع تفاصيل رواية محدثك ، الذي يتفنن في سردها و حبكتة حواراتشخوصها ..
تحزن لأجله ..
لكنك سرعان ما تكتشف ويتبين لك زيفه وكذبه ..
تتجمد دماء قلبك حسرة ويغزوك الندم ..
تشعر بالغثيان ..
تطرح على نفسكأسئلة كثيرة وأنت على يقين أنك لن تجد لها إجابات شافية أبداً..
وأنها ستبقىتعشعش في مخيلتك إلى أن يوارى جسدك الثري..
تحتار وأنت تقول لنفسك :ـ لماذا يصرالبعض على الكذب؟؟ ما الدافع إلي تزييف الحقيقة ؟؟ وما هي ثمرة هذا الكذب؟؟ تلملمأوراقك وتحاول عبثاً نسيان ما حدث..
لكنك لا تفلح في ذلك ..
تقول بينكونفسك:ـ ما دخلي أنا في كذب غيري ؟؟ باستطاعتي أن استمع إليه وان اجعل كلامه يدخلمن أذن ويخرج من الأخرى ..
لكنك تصطدم بحقيقة تزلزل ذهنك..
مفادها أنكإنسان حساس ..
مرهف العقل ..
باحث أبدا عن الحقيقة كاملة ..
وانك لستمخيراً في اختيار ما يحدثك به من يقتحمون عليك خلوتك معنفسك…
قصة قصيرة جداً/أشياء عابرة (7)…
في سراديب الحياة السحيقة و عتمة ليالي الصمت الباردة..في بحارنفسي الهائجة، أبحرتُ بمجداف الأمل..أنثر أحلامي على صخور اليأس..فتغرقني أمواجالانتظار العمياء..ثم ترمي بجسدي المعذب إلى شاطيء الاغتراب الأبدي.. في مغارة منمغارات الظلام مسكونة باشباح و أفاعي و ثعابين و وحوش الأساطير العتيقة..سافرتُكثيراً عبر محطات و لجج الاشتياق الأزلية..و ذات هباء فقدت قطار سفري في أول محطةله..بقيتُ واقفاً انتظر السفر في زحام البشردون جدوى فأدركتُ أني سأظل سجين محطةانتظاري.غادرت الأحلام كياني كما تهاجر الأطيار أوكارها العتيقة..حلقت هناك حيثالأفق الحزين..هياكل الأشجار العارية ترعبني.. عواء الذئاب يقرض جسدي ..سمائي شاحبةبائسة.. وشمسي توارت خلف كثبان الضباب الوقورة و تركتني جثة هامدة..راقداً على فراشالموت مودعاً لحظة الشروق بفرحة الميلاد ووجع المخاض و زغاريد انبعاثي..في مستنقعاتالرذيلة دفنتُ ما تبقى من دموعي و أحزاني..رميتُ بأمتعتي البالية. ابتعدتُ خشية أنتلحق بي..و تهتُ..و انا انقب عن نبض الحياة الضائع في جنائز مجهولة الهوية.. بحثتُعن كنائس زمني المجنون لتغفر لي ذنوبي..و لكي اسدل الستار عن قصة الأوهام القديمةفي قلاع الشياطين العائمة. هناك حيث قبور الاموات و انين واوجاع والام المرضى التيتقض مضجعي…ركبت زمني المجنون و رحت اجوب الفيافي و الصحاري الهائلة ..مشيت حافيالقدمين و اشواك الطلح تغرس رحيقها المسموم في قدمي….بكيتُ كيتيم تائه فقد طريقالعودة إلى داره..و عندما عاد وجدها كومة من الشظايا و الحطام لبقايا الماضي..بكيتحتى جفت دموعي..فما أتعس أولئك الذين يبكون بلا دموع..يتعذبون بلا آهات..و أنا واقفانتظر..اللاسفر..و اللاعودة تزاحمت في ذاكرتي صور وذكريات ماضي أياميالضائعة..وامتزجت بحاضري المشنوق حول شجرة الزقوم اللعينة التي صارت تبخل عليبفيئها الذي كنت أستظل به..يا الهي..أقدري ان أظل سجين محطة الانتظار حتى احصل علىسكن لائق احم به روحي من أهوال أيامي العسيرة ؟؟ أم قدري ان أبقى رحال زمانهمتنقلاً من بيت هذا القريب الذي ينظر الي من خلل اصابع يديه مشمئزاً و بيت ذاكالخليل الذي يستقبلني بابتسامة صفراء كلما دخلت عليه ، و أضطر رغم هذا ، مبادلةجفائهم بانفاس طاهرة، تكشف زيفهم.. تُسقط اقنعتهم المتسترة بجدار رذيلة كلما حاولتُهدمه أجدني كمن يوقد ناراً في هشيم وسط رياح عاتية ، فاعلن إستسلامي للامر الواقع وانتعل حذائي متأبطاً حقيبة ملابسي بحثاً عن قطارسفري..
في إحدى ضواحي قرية( ناصرة)* كان هناك رجل يدعى- بن أمبارك- يعمل حارسا لأحدى المدارس الابتدائية بالبلدة..يتقاضى مرتبا زهيدا لا يتجاوز مائتين و خمسين فرنكا إفريقيا.. و ذات يوم وصله طرد بريدي صغير ملفوف بعناية..ألمت به الدهشة و ساوره العجب..فهو لا يعرف أحدا في هذه البلدة من شأنه أن يرسل له هكذا طرد..و تساءل في سرِّه وهو يقلب الطرد بين يديه و يرمقه بنظرات الشك و الريبة، الخوف و الحذر.. ترى ، أيكون أحد المحتلين الفرنسيين قد أخفى لغما أرسله عامدا لينفجر في ساحة المدرسة ليقضي عليه و ربما على بعض التلاميذ الذين كانوا وقتئذ يلعبون و يمرحون في ساحة المدرسة نكاية به ، ليتسنى له التخلص منه طمعا في الاستيلاء على أرضه و ضمها لجزء كان قد استقطعه من أرضه عنوة و أعانته على ذلك قوانين الاحتلال التي تبيح للمحتلين مصادرة أراضي أهالي القرية..زد على ذلك كره المحتلون له..تذكر – بن أمبارك- كيف حاصرت دورية فرنسية داره لتقتلع شجرة نخيل ملأى بثمارها الناضجة، لان ابنه – حسين- انهال على الدورية برقيق الحجارة من على سطح الدار، معرضا بيتهم الوحيد لخطر الهدم و اقتلاع النخلة، (التي غرسها و أهداها والده لامه بمناسبة الذكرى الأولى لزواجهما..) عقابا له ، و كان هذا العقاب من الشدة بحيث شعر - بن أمبارك- بغصة شديدة تجثم على صدره و تدلى لسانه و هو يرى دروع الاحتلال يتقدمها –بلدوزر- عملاق ، هذا الوحش الآلي الكاسر الضاري آتياً على الأخضر و اليابس..و ها هو يهدم جزءً من الدار ليتسنى له الوصول للنخلة المسكينة و اقتلاعها من جذورها و أحالتها إلى أشلاء جافة مهملة مطروحة على الطريق بعدما كانت الحياة تدب في كل أوصالها..و لم يكتفِ - البلدوزر- و أفراد الكتيبة الفرنسية الغادرة بما أقدموا عليه..فتذكر و الأسى يعتصر قلبه، كيف عاود ابنه - حسين- رشق الجنود الفرنسيين بالحجارة و كيف سدد احد هؤلاء الغاصبين رصاصة غادرة مع سبق الإصرار و الترصد إلى صدره ، فارداه قتيلا، ووقع في فناء الدار مضرجا بدمائه كأنه عصفور بريء تهاوى صريعا برصاصة طائشة من بين ثنايا أغصان شجرة وارفة.. آه!! أيها الكفرة، لقد قتلتم ابني، قالها - بن أمبارك- متنهدا عميقا و كانت زوجته تولول باكية ناحبة على فراق ولدها الوحيد..ثم فجأة راحت ترقص حول جثة ابنها مذعورة ملوحة بمنديل ابيض اللون مخضب بدم ولدها، وكأنها ترقص في عرسه، (إذ كانت تتمنى أن تزوجه من ابنة أختها – أم السعد- التي اختطفها الجنود الفرنسيين و اغتصبوها فانتحرت خوفا من عيون و السنة الناس التي لا ترحم..) في رياض الجنة..و غمغم الفتى الشهيد، فقالت أمه:- علام عرضت حياتك للخطر يا بني؟ من اجل وطني يا أمي…. و انقطعت أنفاسه و همد جسده ..و كانت تلك اللفظة آخر ما لهج به لسانه قبل أن ينتقل لجوار ربه شهيدا ..و منذ ذالك الوقت اقترن في ذهن – بن أمبارك – مصير النخلة الشهيدة بمصير ابنه الشهيد..و لم يبرأ قط من جرحة الفاغر المفتون على مواجيده الدائمة، و ظل يبكي ابنه و النخلة كل الدهر .. جره فضوله لمعرفة محتويات الطرد البريدي..و ما إن فتحه حتى انفجر فيه و فارق الحياة.. و أصيب بعض التلاميذ بشظايا اللغم..
* ناصرة/ قرية عربية في شمال غرب النيجر
كان عجوز هرم يسكن كوخاً صغيراً في قرية (ناصرة)* منذ مدة طويلة..لا يملك في حياته سوى جرابه الجلدي و بضعة روؤس اغنام يسرح بها كل يوم عبر التلال و المروج الخضراء.. و يتناول عشاءه المتواضع عبر مصباحه الذي اكل عليه الزمن و شرب..ثم يشعل لفافة تبغه الرديئة و يجذب منها أنفاساً طويلة، تجول خلالها الصور بخاطره في رحلة تشبه الضباب، و يشتد عليه الالم الذي يراوده كل ليلة، متمنياً عبر كهولته ان يكون بين يدي من يضمد جراحه بعد ما فقد زوجته في احدى معارك الجهاد ضد الغزاة الفرنسيين..انشقت السماء بالبرق و ارعدت و انهال التبروري بكثافة ، اعقبه مطر غزير لم تشهد القرية مثله منذ عقود..انتابته رعشة هزّت جسده الهرم.. سعل بحدة و انكمش مجلباً الدفء داخل عباءته و اطفأ المصباح المحتضر ثم أغمض عينيه لينام، بيد ان السماء ظلت تبرق و يشتد الرعد عنيفاً، و يهطل الغيث النافع بغزارة، و تصفر الرياح في اغصان الشجر كعواء الذئاب و غاب العجوز في نوم عميق، و رأى في حلمه جواداً يصهل و يركض عبر الحقول الخصبة و إمرأة تجري و تتعثر، تحمل في غمرها طفلاً ، ثم عساكر يهرولون في اعقابها و يطلقون النار ، فتسقط ميتة، لكن الطفل لم يمت و الجواد فر هارباً مذعوراً…و عندما علت عاصفة هزت قمة الجبلاستيقظ جراءها الناس مذعورين، رأى العجوز في حلمه، الطفل قد كبر و امتطى الجواد العائد و حمل سلاح ابيه و راح الجواد يركض مرفساً اجساد الفرنسيين و النار تلتهم الحطب مثلماً الانهار تتدفق ، و مثلما الاجيال تثور.. و عندما عوت الذئاب عبر الاودية ، كان الفجر قد تنفس واعقبه الصبح الندي، فتقلب العجوز في نومه مرتين ، أزال من تحته بعض الحصى التي ارقته، و ارتعش داخل عباءته قائلاً في ذات نفسه:- سوف ترون كم تساوي قطرة الدم في ارضنا..لكن العجوز الذي رأى في حلمه ان الانسان لا يهزم ابداً ، مات دون الم رغم البرد و الفقر و الجوع..و بقي حلمه حتى سقطت كل الاقبية..فليس ثمة من لم يحلم ، و اندلعت بعد وفاته بايام قليلة نار الجهاد التي قادها الاباء و الاجداد حتى دحر الغزاة.
كانت ليلة شتوية باردة..تمددت فيها على مهادي، أتأمل عقارب الساعة الحائطية و هي تتحرك مقتربة من الثانية عشر ليلاً..زخات المطر تتساقط على زجاج نافذة غرفتي محدثة صوتاً يزجي في النفس البهجة و السرور..أوراق مكتبي متناثرة هنا و هناك..البرد يملأ المكان و فنجان قهوتي ما يزال يحتفظ ببقايا القهوة التي لم استطع اكمال احتسائها.. تلك اللحظة سمعت صوتاً أشبه بصراخ امرأة مستغيثة..اعتقدت للوهلةِ الأولى بان هذا الصوت يأتي من داخل بيتنا..و لكن عندما فتحت باب غرفتي لاستبين الأمر وجدت أن كل شيء يغط في سكون، إلا أنني سرعان ما أدركت بان تخميني كان في محله، إذ تردد الصوت من جديد فاتجهت إلى النافذة و فتحتها فإذا بامرأة تصرخ قائلة- لقد حرمني ابني ..خطف مني ابني..ظلام دامس يغطي المكان والطقس بارد جداً، و الهدوء يعم القرية إلا من صرخات تلك المرأة التي تخترق سكون الليل..انتابني شعور غريب.. تراءى لي رجلاً ممسكاً بيد طفل و يهرول مسرعاً.. و المرأة تصرخ و تتبعه ملوحة بيديها وتنتف شعرها ، تحولق و تهلل ، طالبة النجدة..فجأة تلحق به و تمسكه من يده و هي ترجوه قائلة:- افعل بي ما شئت ، فقط دع لي ابني..لكنه عبثاً لم يلتفت إلى استجدائها له..و دفعها حتى سقطت أرضاً.. و انكبت على قدميه تقبلهما و تطلب إليه أن يرأف لحالها و يترك لها ابنها..كان الطفل يصرخ ممسكاً بقدمي أمه و الرجل يجذبه إليه بقوة.. بقيت مذهولاً لم استطع تحريك ساكنٍ و أنا أراقب هذا الموقف.. سمعتُ صوتاً ينادي:- يا بني ماذا يحدث في الخارج؟؟ انتبهت و نظرت إلى الخلف لأجد خالتي التي أيقظها صراخ المرأة المستغيثة..قلت لها:- لا شيء يا خالتي..عودي إلى غرفتك و نامي.. خرجت مسرعاً.. وجدت نفسي أقف في الشارع متجهاً إلى المكان حيث كان يقف الرجل و المرأة و الطفل.. كانت المرأة تنتحب باكية و الرجل يبتعد عنها في حلكة تلك الليلة الماطرة في زمهرير الشتاء..اقتربت منها و سألتها:- ماذا حدث؟؟و من يكون هذا الرجل؟؟رفعت عينيها في وجهي و الدموع تم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ