قصة قصيرة / مذكرات مسافر (5)…
كتبهاحسين بن قرين الدرم شاكي ، في 16 يوليو 2009 الساعة: 19:58 م
(لاشيء يجعل الانسان عظيماً غير ألم عظيم)
- الفريد دي موسيه -
نحن الآن في شهر فبراير..كنت في ذلك اليوم و بعد أدائي لصلاة الفجر أعددت الشاي الأخضر و جهزت الحليب الساخن في إبريق كبير و بعض الخبز الذي قمت فقط بتسخينه و هو ما تبقى من عشاء ليلة دافئة.. كان صديقي "جمعة" يمط شفتيه..يصر على أسنانه و يعض لسانه باشمئزاز..يحولق و هو يردد: ألن تنام؟؟ اخلد للراحة قبل انطلاق القافلة فالطريق ما يزال طويلاً..و كنت أجيبه قائلاً:- السهر يا صاحبي لا يؤثر على الرجال..أم انك تصدق كذبة الطبيب الذي يقول إن الإنسان لا بد له من أن ينام ثمان ساعات و إلا أنهك جسمه؟؟ أنا بدوي يجد راحته في السهر على الرمال الذهبية تحت ضوء القمر و النجوم..حيث الصفاء و الفناء الرحب ..في الصحراء حيث يخاطب الإنسان ربه دون وسيط..اللهم إلا تراتيله التي حفظها عن احد أجداده..سكبت الشاي في كوب صغير و أضفت إليه الحليب و شرعت اغمس فيه كسرة الخبز التي ظهرت عليها فقاعات صغيرة سوداء جراء تعرضها لصهد النار..في تلك اللحظة ابتدأت تباشير الصباح تلوح في الأفق و تنجلي الظلمة و تهب رياح من جهة الجنوب مبشرة بيوم ربيعياً منعشاً..ظهر قرص الشمس بألوانها الزاهية مخترقة الأفق الأزرق المترامي الأطراف و تجمع القوم حول موقد النار لتناول وجبة الإفطار قبل المسير..كدنا نقطع الحدود الليبية النيجرية إذ تراءىت لنا أكواخ قرية madama و هي أول قرية على الحدود..و ما أن وصلناها حتى تدفق الجيش النيجري يفتش أمتعتنا و جيوبنا و السيارة و يقلب كل شيء رأساً على عقب بحثاً عن الممنوعات..كانت بحوزتي نسخة جميلة من الكتاب الأخضر باللغتين العربية و الفرنسية..و بعض الكتب الأدبية..و دفتر و أقلام رصاص و قراطيس..اقترب مني احد الجنود و نهرني قائلا:- خذ أمتعتك و اصعد للسيارة..حملقت فيه باستغراب متسائلا:- إلى أين؟؟قال :- يريدك الكابتن..أي كابتن؟؟هييييييييييييييي..اصعد و أغلق فمك و إلا…طيب سأصعد.. و سرنا مسافة خمسمائة متراً ..و تحت شجرة وارفة الظلال، كان يجلس الكابتن على كرسي خشبي يدرجحه وهو ينفث دخان سيجارته الفرنسية الصنع في الهواء الطلق و هي من نوع " قلواز" و يطلق عليها سيجارة الرجل القوي.. وقف و القي عليَ التحية باحترام بدد مخاوفي و أرسل الطمأنينة إلى أوصالي..ثم سٍألني و هو يتصفح الكتاب الأخضر.. اووووووووووه أنه كتاب "معمر ألقذافي"..نعم انه الكتاب الأخضر..قال:- لكم تمنيت أن احظي بشرف الحصول عليه..قلت : لا عليك ..ها قد تحققت أمنيتك..قال: أتعني انك ستمنحي هذا الكتاب؟؟قلت : نعم و بكل طيب خاطر و لو كان باستطاعتي لمنحت كل فرد من سكان النيجر نسخة منه..قهقه عميقاً مكشراً عن أسنان تلونت بلون القورو و التبغ..و قال:- أشكرك يا سيدي..و أمر الجنود بإخلاء سبيلي و أعادوني إلى رفاقي و انتقلنا إلى المحطة الرئيسية حيث يتم تجميع السيارات لتنطلق إلى "اقاديز" عاصمة إقليم –آير- الذي سمي نسبة إلى قبيلة –آير- الكبيرة و هي من نبلاء الطوارق..في اليوم التالي و بعد بزوغ الشمس انطلقت قافلتنا تتقدمها آليات و مدرعات الجيش النيجري الذي يحرس القافلة خوفاً من السطو عليها من قبل قطاع الطرق..تناولنا الغداء على بئر( اشقور+التارقية ) تحت ظلال الأشجار المتناثرة على سفوح الجبل الشاهق الذي يمتد حتى سلسلة جبال الأطلس الليبية..ثم واصلنا المسير صوب مدينة اقاديز..التي وصلنا تخومها مع غروب الشمس و اصطفت السيارات أمام بوابة الجمارك النيجرية..اذكر إننا دفعنا مبلغ 5000 فرنك سيفا مقابل السماح لنا بالمرور كضريبة على الأمتعة و البضائع التي بحوزتنا..و بعدها توجهنا كلاً إلى حيث وجهته و قصدت أنا ابن عم لي يدعى احمد و هو تاجر له مكانته في المدينة..و استرحت أيام قبل مواصلة رحلتي إلى ناصرة حيث مسقط رأسي و حيث ذكريات الطفولة و المدرسة و عبق الرعي و الصيد ..
حسين بن قرين الدرم شاكي
قاص ليبي
عضو اتحاد المدونين الليبيين
عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب
عضو الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : القصة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























