
محمد الاصفر
الدينار الثقافي
الحياة سهلة .. ولقمة العيش التي يرغبها مزاجك من السهل الحصول عليها .. عليك أن تقاتل من أجلها فقط .. عليك أن تركض منذ الصباح وحتى المساء .. تتصل بهذا فلا يرد .. تتصل بذاك فيقفل عليك الخط .. فتلعن إصبعه القفال من جذر جذوره .. تتصل بذاك فيعدك أنه سوف يتصل بك بعد قليل .. وقد يقسم بالله أو يحلف بالطلاق .. وطبعا لن يأتي هذا البعد قليل أبدا .. وتعيش حالة الانتظار والملل ودراه الكبد متنقلا من شارع إلى شارع ومن مقهى إلى مقهى .. ومن صالة انترنيت إلى أخرى أنشط تشبّكا وعنكبة .. وتحاول أن تنقش سطورا إبداعية فتعجز عن نقش سطر واحد يعبّر عنك .. فتمتعض وتتقزز وتتنرفز من هذا الشح وتلعن أبجديات العالم وما كانته وما ستـَكونه وما ستُكوِّنه من جمل على مر التاريخ بأزمانه جميعها .. تلعن هذه الأبجديات التي ستحاكمك فيما بعد وتلحق بك أقذر العقوبات .. تلعن هذه الأبجدية التي ستغيب عنك عندما تحتاجها جدا في لحظات الإلهام .. الأبجدية التي ستمنحك نفسها ملوّثة بقذى الأباء وثقل دم المحسنات البلاغية وقطعان الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية والتي ستجلب لك اللوم والعتاب وتبعد عنك الرضى والثناء من أساطين اللغة وسدنتها.
الجيب فارغ الآن .. النقود التي تحصلت عليها نتيجة كتاباتي أنفقتها أجرة للفندق وثمن طعام ومواصلات وأدوية و حفاظات وحليب للطفلين .. وعندما يفرغ الجيب أشعر بالحزن والضيق وأتكذّر من كل شيء .. هكذا هو طبعي فماذا أفعل ؟! .. عليَّ أن أعمل الآن .. أنْ أكتب .. أن أعصر ليمونة وقتي على حساء الحظ .
أشعل سيجارة يكرمني بها جالس بالجوار .. أنفث تبغها الكريم وأفكر ماذا أفعل بالضبط ؟! .. أفتح جهازا في النت القريب .. أفتح مستطيل الماسنجر .. لا أحد ظاهر من الأصدقاء .. فالوقت ضحى الآن .. بعض الكاتبات يدخلن ويخرجن يعلن لأصدقائهن النتيين عن وجودهن (اون لاين) تومض نجوى وتختفي في لمح البصر بينما المحامية وفاء تظل مضيئة فأرن عليها وأسلم فترد السلام المغلف بالعتاب لأنها طلبت مني بعض العناوين ولكسلي ومشاغلي لم أرسلها لها .. أعدها بإرسالهن هذا المساء .. ونرفع الجلسة الماسنجرية و نتوادع .. تنهمك هي في مشاغلها وأنهمك في تصفح المواقع والجرائد والمدونات الدرناوية و البنغازية والهونية والمصراتية والطبرقية والاجدابية والسرتاوية والطرابلسية والخارجية .. أقرأ موضوعا أو اثنين واختر لمدونتي بعض الأعمال الإبداعية التي تراها ذائقتي أنها تستحق العناء.
أملّ من التصفح .. أسدد لموظفة المقهى الأجرة وأخرج أتسكع بشبشبي الإصبع سريع اللبس والخلع .. أشعر برغبة في التبوّل فأدخل بيت راحة أول مسجد يصادفني .. أريح نفسي وأغسل يدي ووجهي وقدمي واتمتم بكلمات راحة وسعادة فيرمقني بصاص المسجد فأقول له بخيالي أنا شخاخ مسكين ليس إلا يا روح أمه .. أغادر دورة مياه المسجد وأجلس في مقهى أقرأ قليلا ثم أكتب بضع سطور ثم أذهب إلى المكتبة أطلب جرائد اليوم فلا أجدها .. لم تصل بعد للأسف .. موزع الجرائد الرسمية يمتلك حفنة مكتبات يوزع عليها أولا ثم يحضر لنا ما تبقى آخر النهار .. هكذا تمتم صاحب المكتبة بحزن .. اشتري منه قلما جافا وأعود إلى المقهى .. أطلب مكياطة قوية بدون سكر وأتأمل هاتفي الموبايل الأخرس أغلب الأيام .. أقلب الأرقام التي فيه .. أكثر الأرقام التي كانت فيه حذفتها .. الذي أطلبه و لا يرد أحذفه .. وعندما التقيه مجددا لا أقتنع بعذره ولا أعيده البتة .. لأنني أعرف أنّ اعتذاره محض نفاق في نفاق .. فلو كان المتصل به مسؤول أو شخص به فائدة لأجابه فورا ولوضع كرتا جديدا ترحيبا به .. وماذا أعمل كي يكون بي فائدة لهؤلاء النكرات المتربصين على قارعة الطريق للتعلق في أي ضوء .. الذنب ليس ذنبي .. فالمؤسسة الثقافية لم تضعني رئيس تحرير مجلة أو جريدة أو موقع وتمنحني ميزانية أتبذخ بين ثناياها سفرا وعسلا ونهبا وتسلطن وغيرها ممن يتيحها المال السائب .. لم تضعني مشرف على مهرجان شعري أو روائي أو نقدي أو قصصي .. لم تضعني في أي موقع به فائدة لهؤلاء الأوباش .. وهذا جميل أنْ لا أوضع في شيء وأظل أنزف فقط .. أنزف إلى ما لا نهاية .. أنزف أصالة بلادي وتاريخها وصدقها وشفافيتها التي ما إن يمسكها قارئ من أي جنسية كانت حتى يرتشف رحيقها إلى آخر قطرة دون ارتواء .. أنزف مستمرا دونما توقف واضحك إلى ما لا نهاية على هؤلاء النافقين إبداعيا .. والذين أسميهم دائما جماعة مع الواقف مع العلم أنّه ليس كل وقوف وقوفا.
لا أحد يدعونا للمشاركة في أمسية أو ندوة أو ميعاد أدبي لنصيب بعض المال من خير بلادنا يروي ثمار موهبتنا اليانعة .. الأمسيات محجوزة .. المستشاريات محجوزة .. السفريات محجوزة .. الندوات محجوزة .. المهرجانات محجوزة .. المجلات محجوزة .. الجرائد محجوزة .. مواقع النت والنتيت محجوزة .. كل نشاط تمنح عليه الدولة مكافأة للكتّاب محجوز للصحاح .. وأقصد هنا بالصحاح (صحاح الوجوه) .. وصحاح الوجوه يختلفون كثيرا عن صحاح الوجه .. فالوجه الواحد يمكنك أن تتعامل معه لأنك تراه .. لكن الوجوه المتعددة عندما تتكالب عليك فزوبعاتها وجعجعاتها تتعبك في التمشكاي (الفرز) حتى تحدد لها الوصفة الناجعة واللائقة بدودتها .
كي تشارك في هذه المنظومة عليك أن تلتضم .. أن تتشلل (من شلة أو ثلة) أن تدخل (السيريا) أو الكبّانية .. والدخول في الشلل والسيريات أو الكبانيات يحتاج إلى مواصفات لا يمتلكها للأسف أو يتمتع بها أي كاتب حقيقي أصيل.
بالإضافة إلى أنه خيانة ثقافية تدمّر الإبداع وتفتت وحدته وتذيب خصوصيته في مصهور باهت .
كل مجلة لها جماعتها .. كل جريدة لها جماعتها .. كل نشاط ثقافي له جماعته .. أن تظل حرا هكذا وتمشي أمورك ففي المشمش أي فبعيد السوْ .. لن تتحصل على شيء .. ولن يلتفت إلى إبداعك ولو صرت تولستوي أو ماركيز أو التوحيدي أو الكوني أو النيهوم .. بل ستحارب وستضرب من تحت الحزام وستهاجم بمقالات عبر لغة الجبناء (الكناية والاستعارة وغيرهما من مراهم بليغ عصور الانحطاط).
لو تأملنا وأخذنا اسما أدبيا مشهورا في هذه البلاد الكريمة كأنموذج لوجدناه متواجدا في كل الأمسيات المهمة ذات الكراسي الوثيرة والمحيط الموسيقي المكيف والمكافأة المجزية التي تملأ الفاه ذهبا .. لوجدناه في كل المعارض الخارجية على حساب عرقنا الإبداعي .. لوجدناه في كل الصفحات والأعمدة والمجلات والقنوات المرئية والمسموعة الأرضية والفضائية .. وإن نقص عليه شيء بسيط ارتفع عواءه وملأ الدنيا ضجيجا فتتنادى له الجهات كافة الواقعة تحت تأثير شلته وتستلطفه وتقول له غير روّق بس .. ماذا تريد بس ؟ .. إن أردت الزواج زوجناك .. إن أردت مسكنا سكّناك .. إن أردت مركوبا أركبناك .. إن أردت سفارة سفرناك .. إن أردت ملحقية ألحقناك .. أن أردت مالا موّلناك .. ويتم إرضاءه وتعويضه عن هذا العواء .. بقريحة سمينة وحنجرة رخيمة وجيب جديد أوسع من جيوبه السابقة المتدلية من تكته .
والحل يا هوووه ه ه ه ه ه ه كيف ؟
وهل سيدوم هذا الحال ؟
وكيف ستتحمل أعصابنا كل هذا الهراء ؟
وكيف سيكون الكاتب أو الشاعر أو القاص أو التشكيلي الحقيقي والأصيل محترما ومقدّرا من دولته التي يحبها ومن مؤسساتها الثقافية التي يغار عليها ويريدها تسير صحْ.
كيف ننظم أمسية شعرية أو قصصية أو ندوة للنقد أو الرواية أو الصحافة أو معرضا للكتاب أو مهرجان للخيالة أو المالوف أو المسرح أو التشكيل .. ؟ .. كيف يتم اختيار المنظمين والمشاركين وعلى أي أساس .. هل الإبداع هو الأساس و الفيصل ؟ أم العلاقات والكولسة والمجاملات والحسابات الأخرى التي ليس لها علاقة بالثقافة والأدب هي الفيصل .. وهي أساس الإختيار.
لو نظرنا للأمسيات المقامة خلال السنتين الفائتتين على الأقل لوجدنا شاعرا قد اشترك في معظمها وآخر لم يصعد الى المنصة ويلقى حتى كلمة واحدة .. ونفس الشيء في باقي المناشط الأخرى وفي السفريات وفي كل التيسيرات التى تيسرها الأجهزة الثقافية في البلاد بمختلف أنواعها … فوين ما شيين يا هوووه .. فالجماهيرية ليس لثلة أدبية فقط .. هي لكل من يكتب من راس اجدير حتى امساعد ومن البحر حتى اخر حبة رمل في جنوب الصحراء.
إنني أتساءل بوافر المرارة .. كيف لا نرى أمسيات بها موهوبين حقيقيين وذكر الأسماء ليس على سبيل الحصر ولكن كمثال فقط فأنا مؤمن بأن البلاد مملوءة بالموهوبين لكن الطبقات العازلة المكرشة والمكرسة تحجب هذه الينابيع والأضواء ولو أقامت الجهات الثقافية مؤسسة حقيقية لاحتضان المواهب بها أساتذة متخصصين في مادة الإبداع لرأينا كم نحن مقصرين في حق هذه الشرائح الإبداعية .. إنني أتساءل هذه المرّة بفائض المرارة كيف لا نرى في هذه الأمسيات والمناشط والسفريات الأدبية موهوبين أمثال أحمد يوسف عقيلة .. محمد زيدان .. عبدالله الغزال الذي أحضر لنا لعامين متتاليين جائزتين ترتيب أول في القصة والرواية على مستوى الوطن العربي .. كيف لا نرى على رأس الأمسيات عبدالحكيم المالكي وعبدالله هارون وسعاد يونس وعبدالسلام الغرياني ومحمد العريشية وعبدالرحمن سلامة وحسين درم شاكي ومحمد العنيزي وادريس ادريمك وابراهيم المسماري ونجم الدين بوشيحة ونادر السباعي وزياد العيساوي وانتصار الجماعي ووفاء البوعيسي وغيرهم من مبدعي هذا الوطن الجميل والذين لا تحضرني اسماء لهم الآن وأكن لهم كل تقديروحب إبداعي مدهش .. كيف لا نراهم يسافرون ويشاركون وتتصدر صورهم وكتبهم الواجهات الثقافية .. ومعلوم جدا أن الاحتفاء والاهتمام بالموهوبين الحقيقيين هو واجب وطني وأكبر خيانة أن يتم التلاعب به وسرقته بطريقة أو بأخرى .. فالثقافة هي السلاح الحقيقي الذي سيقاتل الأعداء وال
المزيد